قصة سيدنا موسي (علية السلام) باللغة العامية الجزء الثالث

قصة سيدنا موسي (علية السلام) باللغة العامية الجزء الثالث





    يُقال كان خروجه في موسم حصاد القمح [يعني في شهر يونيو] .. في الوقت ده الشمس بتكون متعامدة على مدار السرطان وبتشرق بزاوية 23.5 درجة شمال الشرق .. يعني كانت على يسار سيدنا موسى .. بالتالي كان واخد الشمس دليله في الطريق [وده يدعم رأي الناس الي قالوا إنه كان خارج وقاصد مدينة مَدْيَن لإنه عارف إنها لا تخضع لحكم فرعون]
    استمر في المشي كل الأيام دي من غير أي أكل أو زاد إلا ورق الشجر .. أصابه هزال .. تقرّحت أقدامه .. إشتد جوعه لدرجة إن يُقال بطنه إلتصقت بـ ظهره وأمعاءه بقت بارزة
    فضل على الحال ده لحد ماوصل مَدْيَن .. [مَدْيَن هي المدينة الي بُعث فيها سيدنا شعيب من سنين]
    التعبير القرآني عن وصول سيدنا موسى لـ مَدْيَن كان بالإشارة لـ"ماء" مَدْيَن .. لإن القبائل زمان كانت بتبحث عن المكان الي فيه بئر ماء أو نهر أو عين عشان تسكن حوالين الماء وتعمّر المكان فـ يبقى بلدها .. ومن هنا قيل إن "ماء القوم هو الذي يُعرف به ديارهم"
    (وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ) .. [آية 23 : سورة القصص]
    قعد تحت ظل شجرة يرتاح من مشقة السفر والجوع والعطش , و يفكر في اللي حصل وفي اللي هيحصل
    في الوقت ده كان في اتنين بنات واقفين على جنب .. بعيدين عن البئر و بيبعدوا أغنامهم عن باقي أغنام القوم (وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ ) .. [آية 23 : سورة القصص]
    كلمة "من دونهم " معناها إنهم أقرب للناحية الي هو قاعد فيها , بمعنى إنه لو مشي بإتجاههم هيوصل للبنات قبل مايوصل للناس الي عند البئر ..
    كان المنظر مُلفت بالنسبة لسيدنا موسى , شايف كل القوم بيسقوا غنمهم من البئر إلا البنتين دول ..
    رغم تعبه وجوعه وشدة إرهاقه إلا إنه ماقدرش مايتدّخلش وهو شايف اتنين بنات لوحدهم شكلهم محتاجين مساعدة .. مروءته خلته يروح عندهم عشان يعرف لو ممكن يساعد في حاجة , قرّب منهم وسألهم إيه الي موقفهم هنا وليه بيبعدوا اغنامهم عن الشرب (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا )
    قالوله أبونا شيخ كبير مش هيقدر يخرج كل يوم يرعى .. وإحنا ماعندناش القوة ولا المقدرة الي تخلينا نزاحم الرجال ونلاقي لـ أنفسنا مكان .. عشان كده إتعودنا نستنى لحد ما رُعاة الأغنام يمشوا فـ نقدر نسقي أغنامنا من بواقي الماء (قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ) .. [آية 23 : سورة القصص]
    سيدنا موسى إستغرب إزاي بنتين يقدروا على رعي الاغنام ده من المعروف إنها شغلانة شاقة ومتعبة ومحتاجة يقظة
    إستأذنهم إنه يسقيلهم .. برغم إنه لسه واصل من السفر وبقاله أيام بيمشي في عز الحر ومابيتقواش غير بورق الشجر , رغم إنه مالحقش حتى يقعد يرتاح شوية من كل ده ويستجمع قواه , إلا إن مساعدة المحتاج بالنسباله كانت أولى وأهم
    فوراً راح وسقالهم أغنامهم بـ أسرع مما تخيلوا.. ومن غير أي منّ أو إنتظار للشكر سابهم ورجع لظل الشجرة (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) ..[آية 24 : سورة القصص]
    يُقال إنه راح يسقي ليهم بعد ما الرُعاة خلّصوا ومشيوا .. ومن عادة الرُعاة بعد مايخلصوا إنهم يحطوا صخرة كبيرة جداً على البئر مايقدرش يشيلها من مكانها غير عدد من الرجال
    بس القوة الجسدية الي ربنا ميّز بيها سيدنا موسى خلته يقدر لوحده يزيح الصخرة ويسقي الأغنام ويرّجع الصخرة مرة تانية لمكانها
    لكن القصة دي مش متوافقة مع حقيقة إن الناس كانوا لسه بيسقوا من البئر .. والترتيب الزمني ده عرفناه من الآية نفسها .. فـ وجود "لما" التوقيتية في قوله تعالى (وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) دليل على إنه وصل في نفس الوقت الي الناس كانت بتسقي فيه ..
    وإقتران حرف الـ"ف" بـ فعل السقاية في تكملة الآية الي بعدها ( فَسَقَى لَهُمَا) دليل على إنه سقى ليهم فور وصوله وبالتالي الناس كانت لسه بتسقي بردو وماكانوش انصرفوا
    أما بإعتبار قصة الصخرة صحيحة يبقى ده يدعم الرأي التالت وهو إن البئر الي عليها صخرة دي كانت بئر تانية غير الي الناس كانوا بيسقوا منها .. بئر فاضية مُجاورة ومحدش بيسقي منها عشان عليها صخرة كبيرة محتاجة عدد كبير من الرجال يبعدوها , فـ كانوا بيسيبوها ويسقوا من العيون والآبار المفتوحة الي جنبها .. وبالتالي سيدنا موسى راحلها وأزاح الصخرة وسقى منها في نفس وقت سقاية باقي الناس من البئر التانية .. والله أعلى وأعلم بالأصح
    سيدنا موسى لما خلّص مهمته سابهم ورجع لظل الشجرة .. وهناك ردد الدعاء " رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير"
    كانت جملته فيها ذكر النِعم السابقة من الأمن والنجاة من فرعون والوصول بسلام...إلخ
    عددها في نفسه وشكر ربنا عليها .. وفي نفس الوقت أعلن عن شدة إحتياجه الحالي لـ أي خير ربنا هيكرمه بيه ..
    ربنا ما تأخرش على كليمه في إستجابة الدعوة .. حرف الـ"ف" الي في الآية التالية (فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي) بيوضّحلنا إن مجيء البنت ودعوتها لسيدنا موسى كانت هي بداية إستجابة ربنا لدعاءه ..
    الي حصل إن البنتين رجعوا لأبوهم بدري على غير العادة .. إستغرب موعد رجوعهم وسألهم عن السبب.. جاوبوه وحكوله الي حصل من شهامة الراجل الكريم الي سقى لهم بدون طلب أو حتى مٌقابل
    فكان رد فعل الشيخ إنه قال للبنت الصغيرة [واسمها صفورة ] روحيله وقوليله إن والدي بيطلبك عشان يجازيك أجر السقاية
    راحتله صفورة وقرّبت منه في هدوء .. بمنتهى الحياء .. مُستترة بـ كُم ثوبها ومغطية بيه فمها .. (فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) .. [آية 25 : سورة القصص]
    [قيل الحياء كان في مشيتها .. وقيل كان في طريقة كلامها وأسلوب مخاطبتها , لإن الحياء مطلوب أكتر لما تكلم البنت راجل غريب عنها وخصوصاً وهي بتقوله يجي معاها لزيارة أبوها..
    وإن صح المعنى ده يبقى الوقوف في قراءة الآية هيكون بعد كلمة "تمشي" .. كالتالي .. (فجاءته إحداهما تمشي – على إستحياء ...) ..]
    صفورة بلّغته رسالة أبوها بمنتهى الأدب من غير ماتحسسه إنه أجير أو إنهم بيتمننوا عليه .. بالعكس ده هو الي بدأ بالإحسان وهما بيحاولوا يكافئوه مش أكتر
    قد يكون سيدنا موسى فكر ساعتها إنه ما ساعدهمش عشان ياخد أجر .. دي كانت مساعدة لوجه الله .. لكنه جعان من أيام ومعندوش حل تاني ولعل دي تكون إستجابة ربنا لـ دعوته.. فـ قرر إنه يوافق ..
    وقد يكون وافق يروح معاها بس عشان يشكر أبوها ومايحرجوش لكنه كان عازم على عدم قبول أي أجر ..
    الله أعلم كان بيفكر في إيه ساعتها لكن المهم إنه راح معاها فعلا عشان تبتدي المسيرة الي ربنا كاتبهاله كـ تفاصيل لبقاؤه في مَدْيَن ..
    يُحكى إنه في طريقهم للبيت كان ماشي وراها .. جت رياح وطيّرت هدومها ..وصفت جزء من جسمها .. هو غض بصره فورا .. إستاء من الموقف وكره إنه يئذيها بـ نظره .. حب يخليها تمشي مطمنة ومستورة فـ قالها انا همشي قدامك و دليني أمشي إزاي .. وقد كان ..
    لما وصلوا للبيت أبوها رحب بيه جداً وقدّمله أكل فوراً كأنه كان محضّره قبل مايجي.. لكن نفس سيدنا موسى كانت أبيّة .. رفض بأدب ووضّح السبب .. فقال " إنّا من أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضاً من الدنيا"
    رغم جوعه وتعبه وإحتياجه إلا إنه كان مُصمم يحتفظ بـ ثواب عمله للآخرة وماياخدش أي جزاء عليه في الدنيا .. [وهنا يتضح لينا مرة تانية إنه كان تعرّف على دين أجداده إبراهيم وإسحاق ويعقوب وتخلق بـ أخلاق الدين ]
    الشيخ كان كريم فـ قاله لا والله يابني ده مش أجر للسقاية إنما دي عادتي وعادة آبائي ضيافة أي ضيف يمر بينا وإطعامه..
    هنا جلس سيدنا موسى وقبل الضيافة ..
    بعد الاكل الشيخ سأله إنت جاي منين وكنت رايح فين ؟
    سيدنا موسى حكاله عن اللي حصل .. فـ الشيخ طمّنه وقاله ماتخافش ربنا نجّاك من القوم الظالمين وإطمّن البلد الي احنا فيها دي مش تابعة لـ حكم مصر فمش هيعرفوا يوصلولك هنا ..
    (فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) .. [آية 25 : سورة القصص ]
    [- قيل إن الشيخ ده هو سيدنا شعيب .. وإستدل أصحاب الرأي ده بكلمة الشيخ الأخيرة " نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " فقالوا لو ماكنش نبي ماكنش عرف إن قوم فرعون ظالمين .. لكن أغلب الظن إنه عرف ظلم القوم بسبب الأحداث الي سيدنا موسى حكاهاله , فـ كونهم عايزين يطبّقوا عليه القصاص كـ عقاب للقتل الخطأ ده ظلم بيّن كافي يخليه يقول كلمته ..
    وإستدلوا كمان بـ بعض الأحاديث الي بتقرّ اسم سيدنا شعيب في القصة .. لكن الأحاديث دي بعد البحث عنها بنلاقي إن ملهاش سند صحيح أو ثابت ..
    في حين إن الإعتراضات على الرأي ده منطقية أكتر من الرأي نفسه .. فمثلاً الفرق بين زمن سيدنا شعيب وزمن سيدنا موسى مئات السنين - يُقال 3 أجيال- , صعب يكون سيدنا شعيب عاش كل السنين دي , وإن كان أطال الله في عمره وعاش للوقت ده فمن الصعب يكون بناته عاشوا كل السنين دي , وإن أطال الله في أعمارهم هما كمان وعاشوا .. فـ هيكونوا كبار في السن جداً .. في حين إنهم في القصة لسه شابات مُقبلات على الزواج..
    ده غير إنهم لو كانوا بنات النبي شعيب مكنش هيبقى طبيعي تصرف القوم وإنتظارهم ليهم , بالعكس كانوا الرُعاة الي على البئر هيتسابقوا عشان يخدموا بنات نبيهم ويسقوا أغنامه ..
    - وقيل إن الشيخ هو ابن أخو سيدنا شعيب واسمه يثرون .. وقيل ابن عمه , وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب .. كل دي أقاويل الله أعلم بصحتها لكن الي نعرفه إنه راجل صالح كبير في العمر وده الشيء الوحيد المؤكد ..]
    سيدنا موسى كان لسه بيقرّب من الباب عشان يمشي .. لما صفورا همست لـ أبوها وإقترحت عليه إنه يشغّله معاه بالأجرة ووضّحت السبب في إقتراحها فـ قالت مش هتلاقي حد تستأجره أحسن من القويّ الي هيقدر يراعي ماشيتك ويحفظها ويقوم عليها في إصلاحها وصلاحها .. والأمين الي ماتخافش خيانته للي إستأمنته عليه
    ( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) .. [ آية 26 :سورة القصص ]
    يُروى إنها لما قالتله كده إستغرب فسألها عرفتي منين إنه قوي ؟ .. قالتله ماشوفتش راجل أقوى منه في السقاية ,, وفي رواية إنها قالت رفع لوحده صخرة مايرفعهاش غير عدد من الرجال!
    قالها وعرفتي منين إنه أمين ؟ .. قالتله رفض يمشي ورايا وطول الطريق كان ماشي قدامي عشان يحفظني ومايبصش عليا .. ومن ساعة ماكلمته وهو حاطط عينيه في الأرض حياءاً وأدباً ..
    [ سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم قال : أصدق النساء فراسة امرأتان كلتاهما تفرّستا في موسى فأصابتا . إحداهما امرأة فرعون حيث قالت ( قرة عين لي ولك لا تقتلوه) . والأخرى بنت شعيب حيث قالت ( يا أبتِ استأجره . إن خير من استأجرت القوي الأمين) ..]
    مُحتمل يكون الشيخ حس في كلام بنته بـ بعض الميل و الإعجاب فـ حب يتفق مع سيدنا موسى على حاجة أكتر دوام من الشغل والإجارة .. فـ رجع الشيخ لـ سيدنا موسى وقاله انا عايز أجوّزك واحدة من بناتي , بس بشرط .. تشتغل في رعاية الأغنام عندي 8 سنين .. فـ لو تميت الـ10 يبقى إحسان وتفضّل منك .. مش عايز أتعبك بـ إشتراط الـ8 سنين إنهم يبقوا 10 .. ليك حرية الإختيار .. وماتقلقش انا مش هحمّلك مشقة ولا ائذيك في أي حاجة أثناء استئجاري ليك .. بالعكس هتلاقيني إن شاء الله من الصالحين في حُسن معاملتك ولين الجانب معاك
    ( قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) .. [آية 27 : سورة القصص ]
    وافق سيدنا موسى و قاله الإتفاق ده عهد بيني وبينك يستوجب وفاء كل واحد مننا بنصيبه من الاتفاق وإلتزامه بيه .. كرر سيدنا موسى كلام الشيخ من باب الإقرار والتوثيق فقاله سواء قضيت الـ8 سنوات أو كملتهم 10 في الحالتين هيكون ده نصيبي من الاتفاق وهكون أديت واجبي وأتممت الي عليا و بقيت بريء من العهد.. مفيش حرج عليا بعدها فـ أقدر أكون حر في البقاء أو السفر بدون أي عدوان عليّ بأن يتم مُطالبتي بأكثر من ذلك ..
    وربنا شاهد ووكيل ورقيب على إتفاقنا ..
    (قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ۖ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) .. [ آية 28 : سورة القصص ]
    إختلفت الأقاويل في هو قعد أنهي مدة من المدتين ؟ .. لكن الغالب هو رأي ابن عباس والي معاه إنه تم الـ10 سنين .. وده منطقي لإنه نبي من أولي العزم من الرُسل .. فـ مين هيكون زيه في كرمه وبرّه..
    [سُئل ابن عباس أي الأجلين قضى موسى ؟ .. فقال أكملهما وأفضلهما .. وفي رواية أوفاهما وأبرّهما .. وفي أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بـ أسانيد ضعيفة تحمل نفس المعنى ]
    أتم سيدنا موسى السنين الي كانت بمثابة تدريب ليه على النبوة ..
    إتجوز صفورة وقرر إنه يخرج مع أهله ويرجع مصر تاني.. قراره كان على أمل منه إن أهل مصر خلاص نسيوا الي حصل زمان ومحدش هيعاقبه بسبب طول المدة ..
    [قيل إنه خلّف من صفورة ولدين .. وبالتالي قد يكون لفظ أهله شامل زوجته وابناءه .. لكن الي أجمع عليه معظم أهل التفسير إن لفظ أهله المقصود بيه زوجته بس , على إعتبار إنه كان بيخاطبها هي.. وإستدلوا على إن الأهل بيقصد بيها الزوجة بحديث سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم لما قال"والله ما علمت على أهلي إلا خيراً "]
    خرجوا فعلا بس الجو كان شتا .. إختفى القمر وغطاه السحاب .. الدنيا مطرّت وإشتد البرق والرعد .. الظلام بقى حالك فـ تاه سيدنا موسى وضل طريق الرجوع
    [قولنا إنه أثناء رحلته من مصر لـ مَدْيَن كان بيستدل بالشمس لإنها كانت قدامه وعلى يساره نوعاً ما .. لكنه في رحلة الرجوع كانت الشمس بتتعامد على مدار الجدي بمعنى إنها بتميل 47 درجة عن ما كانت في الصيف.. أغلب الظن إن الموضوع دا غاب عن سيدنا موسى وكان ناسيه فـ ده الي خلاه ينحرف في مسار رحلته ويتجه ناحية الجنوب الغربي في إتجاه جبل سيناء في الجنوب ..]
    سيدنا موسى وقف وحاول يضرب الحجارة ببعض فتشتعل نار تنوّرلهم وتدفيهم لكن على غير العادة مكنش في أي شرارة راضية تشتعل رغم الاحتكاك! .. دار بنظره في المكان وكان في عز حيرته وتفكيره لما وقعت عينيه على جبل الطور ..لمح من بعيد نار عظيــمة مشتعلة جنب الجبل..
    فرح وإستبشر وحس إنها نجاة فـ استأنس برؤيتها ( فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا ) .. [ آية 29 : سورة القصص]
    بس أغلب الظن إن أهله ماكانوش شايفين النار دي .. هي معجزة ربنا إختصه هو بيها كـ نداء لبداية الوحي , فـ مش من المنطقي إن حد غيره يشوفها
    وفي الغالب ده الي خلاه يقولهم بصيغة التأكيد (سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) .. [آية 7 : سورة النمل]
    كان حابب يطمّنهم إنه شايفها وأكيد هيجيلهم بخير منها حتى لو اتأخر عليهم بسبب بُعد المسافة .. كان بديهي إن النار مش مشتعلة لوحدها وطبيعي يكون حد حواليها بيتدّفى بيها .. قد يكون عشم سيدنا موسى في أصحاب النار إنهم يكونوا أصحاب بيت كريمين فيستضيفوهم الليلة .. أو حتى يسألهم على الطريق فـ يرشدوه إزاي يكمل رحلته.. أو على الأقل يقتبس من نارهم نار لأهله يتدفوا بيها في البرد ده
    لكن بينه وبين نفسه ماكانش متأكد إذا كان أصحاب النار يعرفوا معالم الطريق ويقدروا يدلّوه ولا لا .. وده في الغالب سبب التنوّع في التعبير القرآني عن الموقف ده .. فنلاقيه في الآية في سورة القصص بيقول (لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) .. [ آية 29]
    ربنا عبّر عن نفسية سيدنا موسى والي كان بيفكر فيه بـ طريقتين مختلفتين .. مرة بالتأكيد عشان يطمّن أهله ويبررلهم تركه ليهم في الصحرا دي وفي عز الليل والبرد ده .. كان بيحاول يقنعهم ويثبت قلبهم إنه هيرجعلهم بالخير ..
    ومرة تانية بالتشكيك لـ عدم ثقته في معرفة أصحاب النار بالطريق ..
    لكن في العموم حتى لو ماقدرش يعرف الطريق فهو هيجيبلهم جزء من النار يتدّفوا بيه ..
    _ إتجه سيدنا موسى بإتجاه الجبل .. كمل مشي لحد ما وصل لوادي قيل إن اسمه "طوى" (إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) ..[ وقيل إن طوى هو نوع من الأودية شبه البئر المطوية .. وقيل إن بمعنى وطأ الأرض حافياً .. وقيل إن المقصود بـ"المُقدّس طوى" إنه تم تقديسه مرتين .. فالله أعلى وأعلم بالأصح ]
    لاحظ شيء غريب في الوادي .. ماكنش في برد , مفيش رياح , صمت تام .. سكون غريب ..
    قرّب من النار فشاف شجرة في منتهى الخضار والجمال .. مُحيط بيها من فوق لتحت نار بيضا مُضيئة لأقصى حد.. إستعجب سيدنا موسى من المنظر الي لا يُعقل ولا يُوصف!
    كل ما يزيد إشتعال النار يزيد إخضرار الشجرة .. عكس قانون الطبيعة .. عكس أي شجرة بتتحول للإسوداد لو إتحرقت.. دي بتتحول للإخضرار كأن الي حواليها ميّة مش نار! .. لا خُضرة لون الشجرة بتتأثر بحرارة النار فتتحرق منها .. ولا النار بتتأثر بوجود الشجرة فيقل ضياءها ..
    قرّب أكتر منها لكن قبل مايوصلّها كان سمع نداء .. نداء عظيم جاي من اليمين .. من جانب الوادي كان الله هو المُنادي ..( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) .. [ آية 30 : سورة القصص]
    كان أول كلام الله هو تحية مُباركة ألقاها سبحانه وتعالى على نبيّه .. (فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا ) .. [آية 8 : سورة النمل]
    قيل بورك موسى والملائكة المحُيطة بيه وبارك الله البقعة كلها .. وقيل بورك نور الله والملائكة ممن حوله .. يُقال ان النار هي نور الله عز وجل لكن تم تسميتها نار على حسب ظن سيدنا موسى فـ يبقى المشهد أكثر دقة بوصفه من وجهة نظر سيدنا موسى ومشاعره وتفكيره وأحاسيسه وقتها..
    لكن عشان الأمر ما يختلطش عند حد فيفتكر إن ربنا بنفسه تجسّد في صورة النار .. كانت تكملة الآية بـ تنزيه الله وتقديسه عن أي خاطر ممكن يجي في بال سيدنا موسى -أو في بالنا من بعده- مما لا يليق به سبحانه وتعالى , فقال تعالى (وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .. [آية 8 : سورة النمل]
    و "رب العالمين " فيها تعليل التنزيه .. يعني تنزّه الله عن التقيّد بالصورة أو المكان أو الجهة أو أي شيء لا يليق بجلاله .. نوع من التوضيح إنه مش لازم ربنا يكون مُتجسّد بنفسه في الوادي ومحصور في شكل النار عشان يكلّم سيدنا موسى .. فـ هو رب العالمين خالقهم ومالك أمرهم فلا يُشبه شأنه تعالى شأنهم ..
    سيدنا موسى إندهش , إتخض وقلبه إتخطف .. قبل ما يسأل نفسه مين الي بيكلمه كان ربنا رد على سؤاله ..
    فقال تعالى (أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) .. [ آية 30 : سورة القصص]
    من الطبيعي يكون إرتبك وماصدقش نفسه .. معقول ربنا بيكلمني بنفسه ؟!! .. فـ جيه النداء الإلاهي مرة تانية بيأكد ..
    (يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) .. [ آية 9 : سورة النمل]
    و زاد التأكيد للمرة التالتة
    (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) .. [آية 12 : سورة طـه ]
    [إختلفوا في سبب الأمر بخلع النعلين .. فـ قيل تزكية له لإن النعلين كانا مصنوعين من جلد غير مُزكّى.. وقيل لـ تمسّ قدماه تُربة الوادي فـ ينال من بركة الوادي
    وقيل للخشوع والتواضع عند مُناجاة الله .. وهو الأولى بالصواب .. والله تعالى أعلى وأعلم..]
    إنحنى سيدنا موسى وجسده كله بيترعش .. إستجاب فوراً للأمر وخلع حذاءه
    ربنا كمّل كلامه وبلّغ نبيه بـ اصطفاءه وإختياره .. (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ) .. [ آية 13 : سورة طــه]
    من هنا بدأت الأوامر الإلاهية تنزل على سيدنا موسى تباعاً .. فـ كان أول أمر يؤمر به هو عبادة الله والصلاة .. (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) .. [ آية 14 : سورة طــه]
    ربنا وضّح لـ نبيّه البداية فـ أمره يبدأ بنفسه ويعبد الله قبل ما يسلك طريق الدعوة عشان يبقى أهل ليها ..
    إختص الصلاة بالذكر وأفردها بالأمر رغم إنها تندرج تحت الأمر بالعبادة .. وده بسبب أهميتها واللي بيحصل فيها من ذكر الله وإنشغال القلب والعقل بيه .. من هنا كان التعليل الواضح في التعبير القرآني (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) يعني أقم الصلاة لتذكرني فيها .. لإن الصلاة بتذكّر العبد بـ ربه وبتخليه يستشعر وجوده في رحاب خالقه ومالك أمره ..
    زاد انتفاض جسد سيدنا موسى وهو بيتلّقى التكليف الإلهي .. سكنته خشية وخشوع و رهبة من الموقف ومن الأمانة ..
    وقبل ما الخوف أو الشك يتسلل لقلبه .. ربنا بعتله علامات للتثبيت وزرع اليقين..
    سأله سؤال للتقرير .. قال (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ) ..[آية 17 : سورة طـه]
    إزدادت دهشة سيدنا موسى .. ربنا بنفسه اللي بيكلمه , هو أكيد عالم بالإجابة , يبقى ليه السؤال ده إلا إذا كان وراه حكمة عُليا .. أجاب على السؤال فـ بدأ إجابته بـ تعريف انها عصا وإنسابها لنفسه ( قَالَ هِيَ عَصَايَ) .. ومن ثم تعديد منافعها .. يمكن يكون هو ده الغرض من السؤال .. فـ قال إنه بيسند عليها أثناء المشي (أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا) .. وبيخبط بيها الأشجار عشان تنزّل أوراقها للغنم بتاعته فـ تاكلها (وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي) .. وبيستعملها في حاجات تانية (وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ).. [آية 18 : سورة طــه]
    إجابته كانت حكيمة .. بدأ بتعديد استعملاته ليها تفصيلاً وختم كلامه بـ الإجمال .. سابها مفتوحة و وضّح إن ليها استعملات تانية وده يحسس المُستمع إن لو كانت الاجابة المبدئية دي مُقنعة للسائل و هي فعلاً الي كان بيسأل عليه , فـ الباب مفتوح لـ تكملة الاستعمالات بـ تفصيل أكتر..
    بالحوار ده أقرّ سيدنا موسى إن الي في إيده هي عصاه .. هي نفس العصا الي قعد يستعملها كل السنين دي والي هيؤمر بعد ثواني بـ إلقائها .. وهو ده الغرض من السؤال .. التقرير .. فـ من قبل الأمر التالي ثبت في ذهنه حقيقة العصا ثبوت غير قابل للشك .. وبالتالي لما تنقلب العصا حية هيتقفل أي باب للشيطان إنه يشككه في المعجزة أو يحسسه إن الحية مش هي نفسها عصاه الي هو عارفها .. وهيقتصر رد فعله على الاطمئنان وزيادة اليقين بـ قدرة الله العلي العظيم ..
    ودلوقتي جيه الأمر الإلاهي بـ رمي العصا على الأرض .. (قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى ) .. [آية 19 : سورة طــه]
    بمجرد ما لمست العصا الأرض لاقاها إتحوّلت ثعبان كبير .. مش أي ثعبان ده حنش! .. نوع سام لو عض حد يموت في الحال! .. بيهتز بقوة كأنه جان! .. جان ده نوع من أنواع الثعبان , أسرع أنواع الثعابين .. لكنه صغير .. أما الحية دي طولها كبير وحجمها فوق الطبيعي بكتير .. مضطربة وبتاكل أي حاجة في طريقها
    (فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ) .. [آية 20 : سورة طـــه]
    سيدنا موسى ماقدرش يقاوم المنظر .. حس إن جسمه كله بينتفض من الخوف
    لف وإبتدا يجري من غير أدنى تفكير في الرجوع .. (فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ)
    لولا إن ربنا ناداه (يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) .. [ آية 10 : سورة النمل]
    فـ ثبت مكانه .. هدّى نفسه وابتدى يتمالك أعصابه ..
    جيه النداء الإلاهي مرة تانية يحسسه بالأمان ويطمّنه .. (يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ).. [آية 31 : سورة القصص]
    استجاب سيدنا موسى ولف عشان يرجع مكانه .. لاقى التعبان لسه زي ماهو .. لسه بيتحرك , لسه شكله مرعب فـ جيه الأمر الأصعب .. (قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى) .. [آية 21 : سورة طــه]
    مد إيده للحيّة وهي بتترعش , حاول يمسكها وهي في قمة إضطرابها وتحرّكها .. قاوم خوفه وحط ايده عليها ومسكها ..فـ تحقق الوعد الإلاهي و رجعت عصا في إيده أول ما لمسها!
    بكده يكون سيدنا موسى إتدرب على المعجزة كاملة فـ لما تتكرر في قصر الفرعون يثبت ومايخافش زي الي هيخافوا .. ويقدر ياخدها بإطمئنان من غير تردد
    ربنا أصدر الأمر الإلاهي من جديد ووهبله معجزته التانية لزيادة التثبيت .. قاله حط إيدك في جيبك هتلاقيها خرجت خالية من الشوائب مُختلفة عن لون جسمك فهي بيضة بياض ناصع مُعتدل مافهوش أذى أو سوء من برص أو غيره , إنما هو بياض فاتن يطيب رؤياه (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) .. وضم ذراعك إلى جنبك هتهدى ويروح عنك الخوف والرهبة .. (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) .. أو يكون المقصود بـ ضم الجناح يعني ضبط النفس , لإن الطائر لو خاف واضطرب بيفرد جناحه , ولما يهدى ويطمّن بيضم جناحه ويعتدل في وقفته
    فعلاً نفّذ سيدنا موسى الأمر الربّاني فـ حط إيده في جيبه [والجيب هو فتحة الثوب العُليا من الجهة الي بيخرج منها الرأس]
    لما طلّع إيده فوجئ بيها بتتلألأ زي القمر .. زاد خوفه وإنفعاله , فـ نفّذ الأمر التاني .. ضم ذراعه فـ إختفى خوفه تماماً
    إطمّن سيدنا موسى واكتمل يقينه .. فـ بقى جاهز لـ تلّقي التكليف ..
    والتكليف كان على تلات أوامر
    - الأمر الأول إنه يروح لفرعون وقومه يدعوهم لعبادة الله وتوحيده .. (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) .. [آية 32 : سورة القصص]
    - الأمر التاني تجديد عقيدة بني إسرائيل وتخليصها من الشوائب الي دخلتها وتقويم الانحرافات الي حصلت في نفوسهم بعد تأثرهم بعبادة الأصنام ونسيانهم لعقيدة جدودهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب
    (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) .. [آية 5 : سورة إبراهيم]
    - والأمر الثالث تخليص بني إسرائيل من عبوديتهم ودعوة فرعون لإطلاق سراحهم والتوقف عن تعذيبهم
    (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ) .. [آية 47 : سورة طــه]
    سيدنا موسى أدرك أهمية وحجم المسؤولية اللي اتكلف بيها.. فإبتدا يفكر في نقاط الضعف الي عنده عشان يتجنّبها ويقدر يأدي المهمة بأكفأ ما يُمكن ..
    كانت أول النقاط دي إنه قتل من الأقباط واحد وبالتالي هما متربصين بيه ومستنيين يشوفوه عشان يقتلوه (قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ) .. [آية 33 : سورة القصص]
    ولو كانوا نسيوا بسبب السنين دي كلها .. فـ أكيد هيفتكروا ويصمموا ينتقموا لما يلاقوه جايلهم بـ دين جديد ودعوة ضد أهواءهم .. خوفه من القتل المرادي مكنش خوف على نفسه , بالعكس هو لو اتقتل في سبيل الدعوة هيكون جزاؤه عند ربنا كبير وهو القادر على تعويضه ومكافئته .. إنما الخوف كان على مصير الدعوة وتوصيل الرسالة
    أما تاني نقاط الضعف فهي اللدغة الي في لسانه بسبب أكل الجمرة في طفولته .. فـ إقناع الفرعون وتوصيل الرسالة محتاج قوة بيان وفصاحة لسان و وضوح تعبير.. ومن هنا كان طلب سيدنا موسى من ربنا إنه يُرسل معاه أخوه هارون لإنه أكثر طلاقة منه في الكلام ..( وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ) .. [ آية 34 : سورة القصص]
    (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي ﴿29﴾ هَارُونَ أَخِي ﴿30﴾ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴿31﴾ وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴿32﴾ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا ﴿33﴾ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ﴿34﴾ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا) .. [ سورة طــه]
    ربنا إستجاب لـ طلب سيدنا موسى وطمّنه إنه سبحانه هيكون معاهم سامع وشايف..
    ( قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ) .. [آية 35 : سورة طــه]
    (وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ) .. [آية 53 : سورة مريم]
    ( قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ) .. [آية 46 : سورة طــه]
    وإن فرعون رغم قسوته وتجبّره مش هيعرف يئذيهم وهتكون الغلَبة ليهم
    (قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ) .. [آية 35 : سورة القصص]
    من خلال المعجزتين دول ربنا وّصل لسيدنا موسى الطريقة الي هيثبت بيها نبوته ورسالته .. طمّنه بالأدلة الي تأكد ليه وللناس كلها إنه مش لوحده وإن في إله عظيم ورا المعجزات دي
    بعد الإصطفاء والتشريف بل والتكليم الربّاني الي حصل مع سيدنا موسى .. رجع لأهله وهو مضطرب الفكر مطمئن البال سعيد بالتكريم رغم حجم المسؤولية والأمانة
    كملوا طريقهم في إتجاه الشمال الغربي لحد ماوصلوا للطرف الشمالي لخليج السويس .. ومن المُحتمل يكون قابل سيدنا هارون هناك [ بعد نزول الوحي على هارون ] ..
    ربنا وحده العالم نبيه موسى كان بيفكر في إيه وهو راجع مصر وعارف إنه هيواجه أعظم طاغية في عصره .. فكرة رجوعه لمصر كانت آمنة نوعاً ما لما كان هيدخلها لزيارة أهله في تخفّي بعيداً عن أنظار الفرعون وكبراء القوم .. لكن رجوعه لقصر الفرعون نفسه ومواجهته بـ الدعوة ومُطالبته بالإيمان بالله وحده وإطلاق سراح بني إسرائيل ده أشبه بالحرب!
    وصل سيدنا موسى مع أخوه هارون لـ مصر وإبتدت الرسالة ..
    راحوا لـ فرعون مع بعض شيوخ بني إسرائيل .. إبتدا التبليغ فـ كان بيكلمه بـ منتهى اللين والرفق , دعاه لله وحكاله عن رحمته وجنته .. عن وجوب توحيده وجزاء عبادته ..
    وضّحله إنه زي ماهو في الدنيا بيملك مصر , يقدر في الآخرة يملك الجنة إذا آمن بالله وتاب له وعبده حق عبادته فرعون كان بيسمع الكلام بـ ملل وإستهزاء وبمنتهى اللامبالة .. لولا إن ربنا سخّره يسمعهم ومايفكرش يعمل حاجة قبل ما يخلصوا كلامهم كانت تحققت مخاوفهم لما أبدّوا قلقهم من عدم صبر فرعون عليهم ومُعاقبته ليهم قبل مايظهروا مُعجزاتهم أو حتى يكملوا كلامهم (قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى ) .. [آية 45 : سورة طــه]
    فرعون عقّب على كلام سيدنا موسى بإنه سأل عن طلبه ومبتغاه من ورا ده كله .. فـ كان الرد إنه عايزه يعبد الله الواحد .. و يفك أسر بني إسرائيل ويسمحلهم بالخروج
    إندهش فرعون من تجرأ موسى وطلبه الي أشبه بالمستحيل! .. إبتدا يفكّره بـ أفضاله عليه وإنه سمحله يتربى في قصره وأكرمه وجعل له مكانة .. حاول يأثر فيه ويستنكر عليه طلبه ودعوته وإنه ماينفعش يكون ده جزاء الجميل الي عمله الفرعون فيه (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ) .. [آية 18 : سورة الشعراء]
    فكّره إنه قتل قبطي وكأنه بيقوله شوف نفسك الأول ! دين إيه الي جاي تدعو ليه وإنت قاتل ! إبتدا يهوّل الموضوع ويكبّره فـ ماقالهاش بصريح العبارة , إنما قاله "وفعلت فعلتك التي فعلت!" .. عملت عملتك ! العملة البشعة الي ماتتقالش! .. وانت من الكافرين بنعمتي فقتلت أحد اتباعي بعد ما اتربيت في بيتي! .. ( وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) .. [آية 19 : سورة الشعراء]
    فرعون كان فاكر إن كلامه ده هيعجّز سيدنا موسى عن الرد ويحسسه بالخزي أو يخليه يتراجع
    لكن هنا تحققت دعوة سيدنا موسى وربنا أطلق لسانه بالرد المناسب , فقاله غلطت فعلا وكنت ضال لما عملت كده بإندفاع العصبية القبلية لقومي , قبل ما اعرف إندفاع العقيدة السليمة الي ربنا أكرمني بيه النهاردة (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) .. [آية 20 : سورة الشعراء]
    هربت منكم لما خوفت على نفسي وجودي بينكم .. [وهنا كان كلام سيدنا موسى بيتضمن تلميح إن القتل الخاطئ ده لو كان صدر من قبطي من أتباع فرعون ماكنش هيبقى جزاؤه القتل .. إنما الحكم الظالم ده صدر على موسى لإنه من بني إسرائيل .. الفئة المُستضعفة المُستعبدة ..]

    انتظرو الجزء الرابع

    khalel talima
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع موجود دوت كوم .

    إرسال تعليق